• Home
  • Blog
  • إدارة المواهب والإبداع

إدارة المواهب والإبداع


إدارة المواهب والإبداع

يعرف المبدع على أنه الشخص الذي يوجد الشيء من العدم أو الشخص الذي يتسم بالإستحداث لا المحاكاة أو التقليد، وعلى الرغم من الإتفاق اللغوي على معنى الإبداع إلا أن الدراسات الحديثة تشير إلى وجود بعض الفوارق بين المصطلحين في العصر الحديث، وعلى الرغم من هذه الفوارق إلا أن العلماء يتفقون على أن غالبية الخصائص الإبداعية موجودة لدى الموهوبين. ويظهر الإبداع على هيئة تفكير إبداعي يعتمد الأسلوب العلمي في البحث المتضمن الإحساس بالمشكلات التي تواجه المنظمات أو المجتمع، والقدرة على الملاحظة، ووضع الفرضيات وإختبارها، والتحقق من صحة النتائج وفائدتها وتعميمها، أو على شكل منتج أو إكتشاف جديد (Downe et. al., 2012).

ومنذ بداية القرن العشرين تزايد الإهتمام بالموهوبين والمتفوقين والمبدعين وذلك بتعليمهم وتدريبهم خدمةً لأهداف التنظيمات التي يتبعون لها. وظهرت العديد من الأسباب التي تدعو إلى الإهتمام بالموهوبين والمتوفوقين، لذا كان من الطبيعي أن يتأثر تطور الإهتمام بالموهوبين المتفوقين بتطور حركة القياس العقلي، ذلك أن عملية إكتشاف الموهوبين والمتوفوقين تتطلب قياساً لقدراته بطريقة أو بأخرى. أيضاً كان لسباق التسلح والحرب الباردة دوراً أساسياً في بروز الإهتمام بالموهوبين والمتفوقين والمبدعين أكاديمياً وتقنياً في المجالات كافة إذ أن الأمم تسعى للبقاء بالإعتماد على الأفراد الأكثر موهوبةً وتفوقاً وإبدعاً في تحقيق المهمات الصعبة التي تحفظ لها السيادة والبقاء. ومن ناحية أخرى تستمد المنظمات قوتها في تحقيق الميزة التنافسية على الأفراد الموهوبين والمبدعين لا من خلال تقديم أفضل الأسعار، وإستخدام أفضل التقنيات، أو أفضل المنتجات، ولكنها تستمدها من كونها مرنة ومبتكرة، وأن هذه المزايا التنافسية منبعها هم الموظفون والعاملون في التنظيمات التي تهتم بهم بشكل مباشر لتحقيق هذه المزايا وغيرها من المزايا التي تعود بالنفع العام على الجميع.

إدارة المواهب والذكــاء

تعددت وتنوعت تعاريف الذكاء، فمنها ما يعرف على أنها سرعة الفهم وحدته، ومنها أنه القدرة على التعلم، والقدرة على التكيف مع البيئة، والقدرة على إكتساب المعارف والخبرات والإستعداد للتعلم، والإستفادة من هذه الخبرات والمعارف في حل المشاكل، ومنها ما يعرف على أنها القدرة الى التفكير. ومن الجدير بالذكر أن الدراسات العلمية المبكرة للموهبة والإبداع قد إرتبطت بشكل مباشر مع نظرية الذكاء، ومن بعدها تطور مفهوم الموهبة ليعكس الفروق الفردية بين الأفراد ودرجة موهبة كل منهم وإختلافها عن الآخرين.

وهنا يمكن القول بأن الأفراد الموهوبين هم في الأصل يحملون صفات الذكاء الذي يؤهلهم للتعامل مع المشكلات وإتخاذ الطرق الكفيلة لحل هذه المشاكل والتغلب عليها، كما أن هناك إتجاه يميل إلى ربط الأفراد الموهوبين أو المواهب الكامنة داخل التنظيمات الإدارية وبين الذكاء العاطفي أو الشعور العاطفي الذي يمكن أن ينمي ويحفز مواهبهم بإتجاه تحقيق التطلعات الإستراتيجية للمنظمة كإتباع أسلوب إحتواء العاملين أو إنخراط العاملين في رسم الإستراتيجيات العامة للمنظمة مما يعطيهم الحافز نحو إظهار قواهم وقدراتهم ومواهبهم المدفونة والكامنة من خلال ولائهم للمنظمة وللعمل الذي يقومون بتأديته.

تـصنـيـف المواهب داخل المنظمة

وهنا يشير (Osinga, 2009) إلى أنه يمكن تصنيف المواهب داخل المنظمة إلى أربعة أصناف:

  1. مواهب قيادية Leadership Talent: هذه الفئة تقبع في قمة هرم تصنيف المواهب وهم القادة الموهوبون الذين يتمتعون بالمسئولية في وضع وإعداد وتوصيل وتنفيذ الإستراتيجية على مستوى المنظمة.
  2. مواهب أساسية Key Talent: يشمل النوع الثاني أفراد لديهم حس المنافسة القوية ويعتبرون مواهب قيمة ومهمة بالنسبة للمنظمة نظراً لما يتمتعون به من قدرات وما يمتلكونه رؤية وتصور للمستقبل، كما أن لديهم القدرة على تحمل المسؤولية، وأن بعض الصناعات أو الأدوار يجب أن تتضمن المتخصصين وقادة الفكر أو ذوو المهارات النادرة.
  3. مواهب جوهرية Core Talent: يشكل أفراد هذا النوع القوة العظمى ضمن العمل، وهم موظفو الإنتاج المسؤولين عن تسليم المنتج النهائي للمستهلك أو الزبون.
  4. مواهب داعمة Support Talent: إن تنفيذ الأنشطة يتم من خلال  دعم المواهب الداعمة للأعمال غير الأساسية، وكثيراً ما تكون هذه الأنشطة على سبيل المثال الأنشطة الادارية التي قد تصلح للأتمتة، وتكون مهارات الأفراد العاملين داخل هذه المجموعة من المواهب المتوافرة بسهولة، ويمكن تغييرها في غضون أسابيع.

إدارة المواهب في إستراتيجية الموارد البشرية

يعزو (Cappelli, 2008; Frandal et. al., 2009) السبب الرئيس في عدم التوصل إلى نظام متكامل لإدارة المواهب إلى أن معظم المنظمات تدار بأسلوب بيروقراطي بالتمركز حول الهيكل التنظيمي، بمعنى أنهم يحاولوا أن يستمدوا مزاياهم التنافسية من خلال تشغيل كياناتهم (الوحدات الإدارية والمستويات الإدارية المختلفة) بدلاً من تسخير المواهب البشرية لدى المنظمات، فالمنظمات والمؤسسات في الولايات المتحدة تعتمد في أسلوبها على الإهتمام بالمورد البشري وخصوصاً الموهوبين منهم في تحقيق أهدافهم، أي أنهم يستثمرون في المورد البشري بحيث تقوم هذه المنظمات بترجمة الكفاءات والقدرات التي تكون قادرة على خلق المزايا التنافسية إلى محددات ومهارات تتكامل مع عمليات التوظيف وتقييم الأداء. ولا يزال الكثير من الأشخاص يخلطون بين إدارة الموارد البشرية وإدارة الموهبة، ومن المهم جدا أن يندمج نظام إدارة الموهبة مع كل جوانب إدارة الموارد البشرية، وهناك تداخل واضح بين إدارة الموهبة والتعيين والتطوير والتنويع والحفظ وممارسات تخطيط التعاقب الوظيفي. ولكن هناك فارق واحد مهم، وهو أن نشاطات إدارة الموارد البشرية هي إدارة عامة، بينما إدارة الموهبة هي عملية متواصلة توصل الموارد البشرية المثلى إلى مكان العمل الحقيقي (Snell, 2007).

إن إستراتيجية الموارد البشرية الكفوءة والفعالة يتوقف عليها إستراتيجية المنظمة المستقبلية، حيث تقوم إستراتيجية إدارة الموارد البشرية على توفير وتلبية إحتياجات كافة الإدارات والأقسام الأخرى بالمنظمة من الموارد البشرية الكفوءة والمناسبة، والمدربة والمؤهلة، والتي تمتلك قدرات ومهارات وخبرات ومعارف عالية تستطيع بسهولة التأقلم مع الوضع الحالي للمنظمة وبالتالي تحقيق أهداف المنظمة الإستراتيجية، وهنا يجب على إدارة الموارد البشرية أن توائم بين إستراتيجيتها الفعالة وإستراتيجيات المنظمة بشكل عام وأن ترفدها بالأفراد الكفوءين والقادرين على تلبية وتحقيق الأهداف الآنية والمستقبلية للمنظمة، أيضاً لابد لها من تكييف إستراتيجياتها وممارساتها مع المتغيرات والتتحديات في البيئة الداخلية والخارجية التي قد تؤثر في إستراتيجية المنظمة ككل(عيسى، 2007).

ونظراً لأن إستراتيجية إدارة الموارد البشرية تتطلع في مجملها لأن تحقق التكامل والترابط فيما بينها وبين إستراتيجية المنظمة الكلية فهي أيضاً تساند وتدعم إستراتيجيات الأقسام الأخرى من خلال رفدها بالأفراد ذوي القدرات والكفاءات والجدارات العالية، فقد أصبحت إدارة الموارد البشرية تلعب دوراً كبيراً في كيفية وضع خطة ملائمة تستند عليها في تلبية إحتياجات الأقسام والدوائر الأخرى من الأفراد الكفوءين في الوقت المناسب. لذا لابد لإدارة الموارد البشرية من العمل على تكامل إستراتيجيتها مع إستراتيجية المنظمة من خلال الأخذ بالإعتبار عند ممارسة وظائفها أو إستراتيجياتها من التركيز على المواهب التي يمكن أن تساهم بشكل فاعل في تحقيق الإستراتيجية الكلية للمنظمة، فعليها عند ممارسة إستراتيجية تحليل الوظائف (وصف وتوصيف الوظائف) ليس فقط تحديد طبيعة الوظائف ودرجة المهارات والمعارف والقدرات التي يجب توافرها في شاغلها بل العمل على إعادة هندسة الوظيفة من أجل أن توفر هذه الوظائف لشاغليها أو من سوف يشغلها عناصر الإقبال عليها بحماسة وإيجاد السعور بالمسؤولية لديهم عند ممارستهم لمهامهم داخل المنظمة، والقصد من ذلك العمل على تشجيعهم وإستثارة طاقاتهم وإبداعاتهم مما يترتب عليه الإستغلال الأمثل لطاقاتهم وعدم هدرها.

أما في وظيفة التخطيط للموارد البشرية، يجب أن تتكامل عمليات التخطيط للقوى العاملة مع إستراتيجية المنظمة طويلة المدى بحيث تؤخذ الأهداف الإستراتيجية للمنظمة عند عمليات التخطيط للقوى العاملة والعمل على تزويدها بتلك الكفاءات والقدرات والمعارف عند الحاجة إليها مع العلم أن هناك تنافسٌ شديد على المواهب أو كما سماها ماكينزي حرب على المواهب، وهنا على المنظمة أن تهتم بهذه المواهب إهتماماً كبيراً للمحافظة عليهم وإستدامتهم كونهم يعتبرون رأساً مالياً معرفياً مؤثراً في تحقيق الإستراتيجيات الحالية أو تلك التي يمكن أن تطرأ في المستقبل نتيجة التغييرات الحاصلة في كافة الجوانب.  

وإذا نظرنا إلى إستراتيجية التوظيف التي تشمل على الإستقطاب والإختيار، نجد أن الإستراتيجيات الحديثة في الإستقطاب والإختيار تبنى على أساس إختيار العنصر البشري ذي المواهب والمهارات والقدرات والإمكانات المتعددة التي تجعله قادراً على على تأدية الوظائف المتعددة داخل التنظيم. وقد إختلف الأسلوب المتبع في عمليات الإستقطاب والإختيار عن ذلك الذي كان متبعاً في الماضي حيث كان الأساس هو إنتقاء الفرد المناسب بغض النظر عن موهبته أو قدراته أو إمكانياته للقيام بالمهام والواجبات المنوطة به، أما اليوم فمع التغييرات التي طرأت وخصوصاً في المعرفة فقد أصبح التركيز على المواهب والجدارات والمعارف والخبرات التي يكتنزها الفرد والذي أصبح يعد فيما بعد كرأس المال البشري الذي تستثمر فيه أغلب منظمات اليوم، ولذلك سعت إدارة الموارد البشرية جاهدة للحصول على قاعدة كبيرة من المواهب (Talent Pool) – في بعض المنظمات تصنفها إلى مجموعتين كبار الموظفين Seniors والوافدون الجدد Juniors لمختلف الوظائف، بينما يتم تحديد مجموعة من الأفراد كموهوبين ووضعهم في مجموعة واحدة- تستطيع هذه المنظمات من إستخدامهم في الوقت المناسب سواء في الوضع الراهن أو في المستقبل حسب ما تتطلبه إستراتيجية إدارة الموارد البشرية  التي تمثل تنفيذ إستراتيجية المنظمة الكلية (Poorhosseinzadeh and Subramaniam, 2013).

قد يتغير أسلوب العمل المتبع من العمل الفردي إلى العمل الجماعي وبالتالي أصبح الأفراد فيه – على الرغم من قدراتهم وإمكانياتهم ومعارفهم ومهاراتهم وخبراتهم- بحاجة لشحذ هممهم وتحفيزهم، فقد تلجأ الإدارة لإعطائهم دورات تدريبية في كيفية التعامل أو تأدية العمل الجديد في ظل التغير الذي قد يحصل في إستراتيجية المنظمة وبالتالي لابد من تحقيق هذه الإستراتيجية، أيضاً لابد من العمل على صيانة والحفاظ على رأس المال البشري (المعرفي) وإستدامته لديها من خلال المؤتمرات والدورات التدريبية ولعب الدور الذي يمكن أن يولد الشعور بالثقة بالمنظمة والقدرات الفردية لتأدية هذا الدور على أكمل وجه، وقد تلجأ الإدارة إلى منحهم التمكين الإداري الذي يحقق في النهاية إستراتيجية الموارد البشرية والتي هي جزءٌ من إستراتيجية المنظمة الفعلية. أيضاً أصبح من الضروري الإعتماد على برامج تقييم الأداء مختلفة عما كان سابقاً بسبب طبية العمل الجماعي الذي يتخلف تقييمه عن الأداء الفردي، وأصبح هناك معايير جديدة في عملية التقييم؛ كالوقت، والتكلفة، والجودة، وخدمة العملاء ما بعد البيع، ورضا العميل الذي ربطت فيه الكثير من المنظمات نظام الحوافز.

وأخيراً كل ما سبق في إستراتيجيات إدارة الموارد البشرية التي تقف على حقيقة البحث عن المواهب والعمل على إستقطابها للعمل في المنظمة يدفع إلى تبني إستراتيجية تعويضات مباشرة وغير مباشرة تختلف عن نظيراتها تدفع لهذه المواهب، وحسب الموهبة التي يمتلكها الفرد تعتمد درجة التعويضات التي يجب أن تمنحه إياها المنظمة. وأخيراً، حسب ما أشار إليه كلٌ من (Iles et. al., 2010a, 2010b) و(Cappelli, 2008) بأن إدارة المواهب وإدارة الموارد البشرية ترتبطان مع بعضهما من الناحية النظرية ولكن يختلفان في التحليل وعلى النحو التالي:

  1. لا تختلف إدارة المواهب جوهرياً عن إدارة الموارد البشرية، فهي تشمل جميع أنشطة إدارة الموارد البشرية، وبالتالي فإنه يمكن القول بأن إدارة المواهب تعبر عن مصطلح جديد يتم من خلاله إعادة تسمية Rebranding إدارة الموارد البشرية، وقد ركزت هذه التسمية الجديدة لإدارة الموارد البشرية على كيفية إدارة المواهب إستراتيجياً.
  2. تشمل إدارة المواهب الكثير من إستراتيجيات (وظائف) إدارة الموارد البشرية مع التركيز بشكل خاص على كيفية إدارة المواهب وعلى الموهوبين، ووفقا لهذه النظرة، تعتبر إدراة المواهب نقطة جوهرية للبيئة الداخلية والخارجية للمنظمة.

تركز إدارة المواهب على تطوير الكفاءة من خلال إدارة إستدامة وصيانة وتطوير المواهب الجديدة والموجودة اصلاً داخل المنظمات.

Menu